السيد محمد تقي المدرسي
17
مقاصد السور في القرآن الكريم
وبالرغم من أن سور القرآن الأخرى تتحدث عن صبغة الله أيضاً ، ولكن تلك السور تركز في الحديث عن جوانب من هذه الصبغة ، بينما تتحدث هذه السورة عنها بوجه عام وبشكل يترابط فيه ظلال هذه الصبغة لتكون صورة كاملة أمامنا . تفصل ( الآيات : 21 - 29 ) صفات المؤمنين وأركان الإيمان ، كما تحلل شخصية الإنسان وما ينبغي أن تكون عليه . وتنتقل ( الآيات : 30 - 39 ) إلى قصة خلق الإنسان وحوار الملائكة المعروف مع الله جل جلاله ، وأن الخالق قد حمّل المخلوق الجديد العلم والقدرة والمسؤولية والخلافة . أما ( الآيات : 40 - 103 ) فقد تحدثت عن الأمة وشخصيتها وصفاتها وكيف يجب أن تكون . وقد جاء القرآن هنا بنموذج من التأريخ ، وهو بنو إسرائيل ، لتحفيز الأمة الإسلامية على الاعتبار بقصتهم وما آلوا إليه من فساد وعنصرية وتشتت وانهيار ، ولا سيما قصة البقرة الشهيرة . إذ تبين الآيات القرآنية بهذا الشأن أن روح التكاسل حينما تتكرس في الأمة ، فإنها تبدأ بالالتفاف على الأحكام الشرعية ، لتنفلت منها ما استطاعت ، فتراها تتشبث بمجموعة من القشريات ، وتجعلها بديلة عن الحقائق الواقعية . وقصة قوم النبي موسى ( ع ) مع البقرة تمثل الحالة المشار إليها فيهم . فهؤلاء القوم - كما تبين القصة - لم يصبحوا آنئذٍ كفاراً بالرسالة جملة واحدة ، بل لعل العكس هو الصحيح ، حيث كانت الرغبة تساورهم في تطبيق تعاليم الله سبحانه وتعالى ، بيد أن التردد والضعف واضح في تصرفاتهم ، مما يجعلهم يؤخرون تنفيذ الواجبات ، تحت غطاء التشبث بقشور التعاليم . فهم كانوا يتساءلون عن لون البقرة ، وطبيعتها ، ومقدار عمرها ، وسائر خصائصها ، بينما تركوا الجوهر الذي هو ذبح البقرة والإنفاق في سبيل الله وإطعام الفقراء ، وعموم قضية تحقيق التكافل الاجتماعي ، والسعي إلى القضاء على ظاهرة الجوع من ناحية ، والبخل من ناحية أخرى ، والإسراع في استيعاب وتطبيق الأوامر الشرعية وكذلك هي الأمة الإسلامية في بعض مراحلها المتأخرة ، حيث كانت تتوغل في التفاصيل وتنسى أو تتناسى روح التعاليم والأهداف المرجوة من ورائها .